27‏/06‏/2009

الفصل الثـــامن



استيقظت على صوت المنبه في الصباح الباكر، ومددت يدي في كسل جميل وأنا أكتم صوته المزعج وتثاءبت في بطء وأنا أتأمل زوجتي وهي تنام بجواري ووجها مضيء مثل الملائكة بعد ليلة حب طويلة لم نعشها سويا منذ زمن ...

ابتسمت وأنا أداعب وجنتيها بأناملي، واستيقظت هي وابتسمت في وجهي، وطبعت قبلة سريعة على شفتيها لأخبرها

- ألن توقظي صغيرتنا لكي تذهب إلى المدرسة

أومأت برأسها وهي تتمتم بكلمات لم أفهمها ولكني غادرت الفراش وشرعت في تبديل ملابسي بسرعة وأخرج مسرعا إلى حجرة المكتب لأجهز بعض الأوراق التى يتوجب علي مراجعتها بعد اجتماع البارحة، والتقطت بعض الأوراق وأضعها في الحقيبة في سرعة، وعندما خرجت وجدت زوجتى تضع قدح الشاي المعطر برائحة النعناع وهى تقول لي

- إلى أين، ألن تتناول هذا الكوب ... لقد جهزته من أجلك خصيصا
وقفت أتأملها من جديد، وبدأت أشعر بقلبي وهو ينبض من جديد من أجلها ، وابتسمت وأنا أسألها

- هل استيقظت غادة؟
أجابني صوتها الطفولى وهي تركض من خلفي

- أنا هنا يا أبي

استدرت إليها وأنا أجدها تقف بجانب الباب وهي تفرك يديها بتلك الطريقة التى تعنى أنها تريد أن تطلب شيئا

فاطلقت ضحكة صافية وأنا أتناول القدح وأترك الحقيبة على الطاولة وأتوجه إلى الصغيرة قائلا

- مالذى دهى أميرة قلبي، ماذا تريدين

خفضت الصغيرة رأسها في حرج وهي تقول

- أريدك أن تقلني إلى المدرسة
ابتسمت وأنا أسألها

- ولماذا؟
أجابتني في فخر

- حتى يرى أصدقائي سيارتك

ضحكت منال في صوت عال ٍ وهي تقول

- يبدو أن ابنتك قد أخذت أول صفاتك، الاهتمام بالمظاهر

تأملت الصغيرة وأنا أتحسس شعرها ثم هتفت

- سأوصلك يا غادة إلى المدرسة
قفزت الصغيرة في فرحة وهي تقول لأمها

- هل ترين يا أمي، لقد كسبت ... أبي سيوصلنى الى المدرسة
ارتشفت رشفة كبيرة من قدح الشاي وأنا أشير لها أنني أهم بالانصراف

فلحقت بي منال وهي تقول

- سوف أقوم بالاتصالات مع باقى الأصدقاء لأدعوهم إلى حفل زواجنا
فتحت باب الشقة وأنا ألتفت إليها لأتأملها من جديد، لأبتسم مجددا وأنا أجيبها

- عيد زواج سعيد يا منال
وغادرت المنزل

إلى يوم جديد ... وأحداث جديدة من أهداب الخيانة


أوصلت غادة إلى مدرستها ... وتعمدت أن أقف بالسيارة أمام باب المدرسة لأترك الفرصة حتى تذهب إلى أصدقائها وتشير إلى السيارة لتريهم أنها سيارتي، وأحسست بالفخر من أجلها ومن أجلي ثم انطلقت إلى العمل ...

واستغرقت به حتى النخاع في مراجعة الأوراق والخطط وتدوين الملاحظات حتى دق جرس الهاتف الداخلي، فالتقط السماعة في ضجر وأنا أهتف

- ما الأمر يا سارة، لقد أخبرتك أنني لا أريد أي مقاطعة
أجابت السكرتيرة في ارتباك

- إنها مكالمة من فتاة تدعى إسراء ولقد أصرت على الاتصال بك
تذكرت فجأة أننى قد أغلقت جهازي المحمول كعادتي قبل الانهماك في عملي فأجبتها في توتر

- حسنا، مرري المكالمة
وكانت الدهشة تغمرنى فقد نسيت أمر إسراء تماما، وكأنها لم تكن في حياتى البارحة، وهل هذا يعنى أنها كانت نزوة فقط أم ماذا؟

أخذتني الأفكار حتى تدفق صوت إسراء بما يحمله من توتر في سماعة الهاتف

- مدحت، أين أنت؟ ألن تكف عن هذا العبث؟
أجبتها في هدوء وأنا أبتسم

- اهدئي يا إسراء حتى نستطيع أن نتحدث
أجابتني في حدة مباغته
- لماذا أغلقت جهازك؟
بدأ الضجر يدب في صوتى وأنا أجيبها
- إننى في العمل ولا أحب المقاطعة دون أمر مهم
قاطعتني في ثورة
- وهل أنا لست أمرا مهما بالنسبة لك
أجبتها في انزعاج
- ماذا هناك يا إسراء .. اهدئى قليلا
ساد الصمت قليلا ثم قالت لي
- أريدك أن تأتى حالا
هززت رأسي وأنا أجيبها
- لن أستطيع أن أغادر المكتب في الوقت الحا ...
قاطعتنى إسراء في برود
- لقد اتصلت بي زوجتك يا مدحت ...
وأغلقت الخط ...


لا ادرى كيف استطعت الانتظار حتى جاء وقت الانصراف من العمل، وانطلق غير مبال بالموظفين وهم يحدقون في وأنا أركض بين أروقة الطابق الذي أعمل فيه، وقفزت إلى المصعد بحركة لم أكن أتصور أنني قادر عليها وتعلقت عيناى بأرقام المصعد حتى انفتح باب المصعد وانطلقت إلى سيارتي بكل ما أحمله من طاقة في قدمي وقفزت نحوها غير مبال بالعامل البسيط الذى يقوم بترتيب السيارات أمام المبنى، وأدرت المحرك وانطلقت بالسيارة في حدة فأطلقت إطاراتها صريرا مزعجا وأنا أجرى كالمجنون بين طرقات القاهرة المزدحمة، وفي أقل من أربع عشرة دقيقة كنت أقف أمام باب إسراء وأنا أطرقه في إزعاج كامل وأنا أحاول التقاط أنفاسي في صعوبة.
وما هي إلا عدة ثوان وفتحت أختها الصغيرة هند الباب وقد بدا على قسماتها أقصى انطباعات الانزعاج والخوف والقلق، ولكن ما إن وقع بصرها علي حتى هتفت في دهشة
- أستاذ مدحت ، ماذا جرى ؟

لم أجبها مباشرة وأنا أندفع إلى داخل المكان وأتلفت حولي باحثا عن إسراء ولكن ما إن وقع بصري على شروق وهي تقف في ركن الردهة تحتضن دميتها في قوة وهي تنظر إلي في رهبة حتى تجمدت في مكانى والتفت إلى هند لأسألها وأنا أحاول أن أتمالك أعصابي ليبدو على الهدوء

- أين إسراء يا هند؟
هزت هند كتفيها في حيرة وهي تجيبنى
- إنها في العمل، لقد استدعوها اليوم لتقوم بالترتيب للحفلة

اختلط علي الأمر لدقائق ثم هززت رأسي وبدأت الأفكار تتصارع من جديد في عقلى المنهك من التوتر والتفكير ثم سألتها في حدة

- أية حفلة، ما هذا الهراء، ولماذا أغلقت هاتفها؟
انفجرت الصغيرة باكية من حدة صوتي ، وألقت علي هند نظرة مزدرئة وهي تتحرك مسرعة نحو شروق وتحملها في حنان، فدفنت الصغيرة رأسها في صدر خالتها وهي تبكى في صوت خافت، فهتفت هند في انزعاج

- استاذ مدحت ، اسمح لي أن أخبرك أنك قد تعديت كل أصول اللياقة والأدب هنا
تراجعت خطوتين إلى الخلف وأنا أشعر بالحرج الحقيقي لتصرفاتى أمام الطفلة التى لم تتحمل انفعالي، فخفضت رأسي وأنا أتمتم في خجل
- أعتذر يا هند، ولكن أختك تدفعني للجنون بحق
جلست هند على المقعد المجاور لها وهي تحمل الطفلة بعد أن توقفت عن البكاء وهي ترمقنى بنظرات مستريبة وساد الصمت المكان لدقيقتين، حتى أضاء مصباح ما إحدى الجوانب المظلمة في عقلى

فاندفعت نحو هند وأنا اسألها كالمجنون

- هند، من هو زوج إسراء، لمن هذه الطفلة

حدقت هند في وجهى لثانية ثم أجابت

- إنها طفلة اسراء و ...

قاطعتها في حدة
- ومن يا هند .. طفلة من هذه
أجابتني في حدة
- ابنة حسن الصواف

وهنا فقط .. تخاذلت قدماي ... وسقط على الكرسي المقابل لهند وأنا أحدق في وجه الطفلة

فقد كانت ابنة خطيب زوجتى .... السابق ...
وعدوي اللدود

23‏/06‏/2009

الفصل السادس والسابع



انقضى الاجتماع بدون أن اشعر بالوقت، وقمت بمراجعة الأوراق والمفكرة الخاصة التى دونت عليها أهم ملاحظات الاجتماع، وغادرت الغرفة متجها إلى مكتبي، وما إن رأتنى السكرتيرة الخاصة حتى قفزت من مكتبها وهي تعطيني البريد الخاص بي وهي تخبرنى أن زوجتى قد اتصلت ثلاث مرات وهي تطلب الاتصال بها للضرورة

نظرت إليها دون إجابة، وأومأت برأسي لأدخل إلى مكتبي وأغلق الباب وأنا ألقى بالحقيبة على الأريكة المواجهة للمكتب، ثم التففت حول المكتب لأجلس خلفه وأنا أسند ذقنى بيدي محدقا بالهاتف ...


وغرقت في بحر الأفكار ...

فقد كانت الأحداث تتوالى في سرعة لم أعهدها في حياتى الرتيبة، ولم يسبق لى أن شعرت بكل هذا النشاط
.. بعد تلك الليلة التى أمضيتها مع إسراء ...

واليوم، تبلغني السكرتيرة بأن زوجتى قد اتصلت بي ثلاث مرات متتالية، وتعد هذه السابقة الأولى منذ أول يوم في زواجنا

لم ألبث سوى أن التقط نفسا عميقا، وأطلقه في تنهيدة حارة وقوية، ثم ألتقط سماعة الهاتف لأتصل بأرقام منزلى في سرعة، واستمعت إلى صوت الهاتف الرتيب من الجهة المقابلة حتى أجابت منال قائلة

- الوو

أجبتها في سرعة
- إنه أنا يا منال ... مدحت ، مالأمر

هتفت في سرعة
- مدحت ، أين كنت ... لقد اتصلت بك ثلاث مرا ....

قاطعتها في ضجر بعد أن عرفت من صوتها أنه لا شيء يدعو للقلق
- هل كل شئ على ما يرام؟

أجابنى الصمت لفترة طويلة حتى قالت في نبرة من الرجاء
- هل ستعود إلى المنزل اليوم؟

تسرب القلق إلى أعماقى، فقد كانت المرة الأولى بحق التى أجد فيها زوجتى ناعمة ومنكسرة بهذه الطريقة

ولكنى أجبتها في النهاية بصوت متحشرج
- بالتأكيد

أجابتنى بصوت أكثر همسا
- سأنتظرك

وأغلقت الخط، وظللت متسمرا وأنا أسمع صوت الهاتف بعد إغلاق الخط، ثم أغلق الخط أنا الآخر، وأنا أشعر بأن الأيام القادمة ستحمل الكثير .... والكثير جدا

وقد كنت على حق




دقت الساعة السادسة مساء وأنا أتوقف أمام منزلي ومازالت الفكرة تسيطر علي منذ مكالمتى مع زوجتي منال

لكنى نفضت كافة الافكار وأخرجت الهاتف المحمول لأتصل برقم إسراء بعد أن حفظتها باسم رجل حتى أتجنب أصابع زوجتي التى تبحث في كل مكان كما أتصور ... بدأ قلبي في الخفقان عندما سمعت تلك الأغنية من على الجانب الاخر حتى جاء صوتها الحالم

- مدحت
- يا حبيب مدحت ، كيف حالك ؟
- أنا بخير، ماذا عنك؟
- أوحشتِني
- أنت أيضا

ساد الصمت قليلا، حتى هتفت إسراء في لهفة
- متى سأراك ؟

صمت قليلا وأنا أتطلع إلى البناية ثم أجبت
- قريبا يا إسراء، قريبا جدا

وأغلقت سماعة الهاتف وأنا أقفز من السيارة في حزم وقد اتخذت قرارى الحازم، وأسرعت الخطى إلى شقتي ... في الدور الرابع، لأبدأ الفصل الجديد من حياتى الزوجية ...

وأهداب الخيانة



طرقت الباب عدة طرقات متتالية دون أن أستخدم مفتاحي الخاص وسمعت صوت أقدام ابنتي وهي تقترب في سرعة من الباب فارتسمت ابتسامة تلقائية وسريعة وأنا أشاهد وجهها الجميل الذي ظهر من خلف الباب وهي تتقافز في طفولة وبراءة جميلة وهى تهتف باسمى، والتقطتها بين يدي ورفعتها عاليا لتتعالى معها ضحكاتها الصافية وفي دورة كاملة ضحكت معها كالطفل الصغير وقد نسيت كل ما مررت به ثم أنزلتها على الأرضية وأنا أطبع على رأسها قبلة حنونة...

وسمعت صوت زوجتي يأتي من خلفي

- حمد لله على سلامتك

التفت إليها في سرعة وتفحصتها في سرعة وأنا أكتم دهشتي، فقد كانت مختلفة...

في كل شيء ...

في ثوبها الأنيق وزينتها على غير العادة ... وحتى لهجتها ... ونظراتها المشتاقة ...

وكمعالجة سريعة للموقف ... ارتسمت على شفتي ابتسامة سريعة وأنا أضع سلسلة المفاتيح وجهازي الخليوى على المنضدة كالمعتاد ... وتعمدت عدم الاقتراب منها وأنا اخبرها أنى في حاجة إلى حمام ساخن، فأومأت برأسها متفهمة وهي تجيبني في همس عجيب

- لقد سبق وحضرته من أجلك

توقفت وأنا في طريقي إلى الحمام والتفت إليها أتأملها من جديد، محاولا فهم كل هذه المعطيات الجديدة دون جدوى، حتى تمتمت في سرعة واقتضاب:

- شكرا

ثم دخلت في خطوات سريعة أشبه إلى القفز باتجاه الحمام وأغلقته لأدور ببصري في المكان، وأراقب الشموع الجديدة بجانب المغطس وهززت كتفى وأنا أطلق كل توترى في زفرة طويلة ... حتى أتجرد من ملابسي ... وأستلقي في هدوء لأعيد ترتيب أوراقى في روية ... وحذر ... ورغبة ...


وخلال ساعة كاملة .. بدأت أتمالك أعصابي، وقد قررت أن أستمر في حياتى كما هي .. من أجل صغيرتي ... ومن أجل منزلي ... حتى لا تعانى من الصراع الذى طالما عانيت منه في حياتى، وخصوصا أننى قد وجدت حبي الأول ... ومتنفسي خارج البيت ..
وابتسمت في المرآة عندما وصل تفكيري عند تلك النقطة، ومشطت شعري في عناية ...
وخرجت وأنا أهتف باسم زوجتي
ووجدتها تتحدث في الهاتف، وقد اعتراها الانفعال عندما وجدتنى أمامها وأنهت المكالمة في سرعة وهي تجيب

- أجل يا حبيبي

دب الشك في عقلى فجأة وأنا أهتف في حدة غاضبة

- ماذا هناك، ومع من كنت تتحدثين ولا تريديني أن أعلم؟

قفزت منال من الكرسي وهي تجيب في سرعة لا تخلو من التوتر

- لاشئ يا مدحت، لقد جهزت لك الطعام.

وتحركت بسرعة باتجاه المطبخ، لكنى أمسكت بمعصمها في قسوة وأنا اجذبها نحوى وانا أحدق مباشرة في عينها صائحا

- تعالي إلى هنا وأجيبيني، مع من كنت تتحدثين؟

تأوهت منال في ألم وهي تقول

- مدحت، ماذا جرى لك ؟ أنت تؤلمني

تركت معصمها في حركة مباغته فأمسكت به وهي تحدق بي ثم ترقرقت الدموع في مقلتيها وهي تجيبنى في صوت متهدج

- إننى كنت أفضل أن تصبح مفاجأة سعيدة من أجلك يا مدحت، إنه عيد زواجنا وقد أردت أن أعد الحفلة من دون معرفتك كاعتذار لما سبق

وانهمرت دموعها وهي تغادر الردهة لتتركنى واقفا أحدق في مكانها الذى كانت تقف فيه .... كالأبله.



إنسدل الليل بأستاره السوداء، لأجلس في شرفة المنزل أرتشف قدح القهوة الذي اعتدت عليه في هدوء وأنا استمتع بنسمات الهواء لأتطلع إلى النجوم في استمتاع وكأنى أراها للمرة الأولى، وأنا لا أستطيع الخروج من وقع المفاجأة التى جهزتها منال من أجلى، ومازالت التساؤلات تملأني وتعصف بأفكاري

فهل من الممكن أن تتغير زوجتي لمجرد أنني تركت لها المنزل بهذه السرعة وأن تسعى لإرضائي وأن تعد الحفل لعيد زواجنا الذى لم نحتفل به من قبل، أم أنها في حالة نادرة للتغير ... بخلاف الشعور بالذنب الذى يساورنى بعد التفكير في إسراء، وهل يصبح إرضاء زوجتي هو الخيانة ... زفرت مجددا في ضيق وأنا أضع القدح من يدي، واستغرقت في تفكير عميق حتى ارتفع أزيز الهاتف من على الطاولة، فالتقطته في سرعة لأجد رقم إسراء.

فنظرت حولي لأرى مكان زوجتى ووجدتها أمام جهاز التلفاز تتابع مسلسل المساء، فالتقطت الهاتف ونهضت من الكرسي لأقف في مكان يتيح لى أن أرى حركة زوجتي دون أن تلاحظني، وجاء صوت إسراء مفعما بالقلق عبر الهاتف قائلة

- مدحت ، هل أنت بخير ؟
أجبتها في سرعة
- أجل أنا بخير
تنهدت إسراء في ارتياح وهي تسألنى
- ولم تأخرت حتى الآن، ألن تأتى ؟

ترددت قليلا ثم أجبتها
- إسراء، يبدو أنني لن أستطيع أن أحضر اليوم
أجابني الصمت لعدة ثوان حتى سألتنى

- هل سببت لك المزيد من المشاكل يا مدحت؟

أجبتها في سرعة

- كلا، مطلقا يا حبيبتي، إنني فقط متعب اليوم، كما أنني في حاجة لأن أكون في مكتبي غدا صباحا في موعد مبكر لإنهاء بعض الأمور

ثم صمت قليلا لأتابع

- ولكنى سأمر عليك بالتأكيد في الغد
جاءني صوتها في فرحة
- حسنا يا حبيبي، سأنتظرك

وأغلقت الخط ... ووضعت الهاتف في جيبي لأغادر الشرفة وأتخذ مقعدا على الأريكة بجوار زوجتي ... التى نظرت إلي في عتاب واضح، فابتسمت لها وأنا أمد إليها ذراعى... فتأملتني لثانيتين، ثم اقتربت مني ووضعت رأسها على صدرى لتهمس

- لقد اشتقت اليك

18‏/06‏/2009

الفصـل الخــامس




مضت دقيقة كاملة وانا اتأمل جسدها الابيض وهي ترقد كالملائكة في الفراش ، وانا احاول ان اعتصر ذهنى

فقد كنت متأكد من انى قد وصدت الباب جيدا ، وانى كنت ارقد بمفردى ، وعجزت قدماى على حملى ، وتاخذلت قدماى وسقط على الكرسي

ومضى وقت طويل وانا اتطلع اليها ، واتأملها

حتى تثائبت في شكل جميل وهي تفتح عيونها وهي تتململ وتنظر الي مبتسمة

- صباح الخير يا حبيبي

سألتها في حدة

- ماذا حدث

اعتدلت بنصفها العلوى وهي تقول مبتسمة

- ماذا تقصد

اشرت اليها بانفعال وانا اتسائل مجددا

- ماذا حدث بالضبط الليلة الماضية

زادت ابتسامتها اتساعا وهي تجيبنى

- لم يحدث شئ

ارخيت ذراعى وبدأت اسيطر على مشاعرى وانا اتأمل صدرها البارز ، ثم هززت رأسي وانا اسألها

- كيف دخلت الي هنا

التقطت مفتاح صغيرة كان على الطاولة المجاورة للفراش وهي تقول

- لقد اعطانى عم حسن مفتاح الشقة منذ عدة ايام

انعقد حاجباي للحظة وانا لا اجد سوى تفسير واحد ، ان البواب الكسول قد اراح ذهنه من عناء البحث المتواصل عن اغراضى وقد اعطى المفتاح للجيران الذى يعلمون كل شئ ... وزفرت في قوة وانا ارفع رأسي اليها متسائلا

وشعرت اسراء بما يعتمل في اعماقى ، واسترخت في الفراش من جديد ، وهي ترفع ذراعها العارى وهي تدعونى الى الفراش

وزاد ضربات قلبي في قوة وانا انظر اليها طويلا

حتى هتفت في مزيج بين العتاب والدلال

- هل ستتركنى هكذا طويلا

وكانت هذه البداية ، وحزمت امرى ، والقيت كل افكارى خلفى وانا انهض لارتمى في احضانها الدافئة

وفي اشتياق ولوعة ، شرعنا في قبلة عشق طويلة لم ننسى مذاقها منذ زمن ...

وداعبت عنقها باناملى وانا اقبله حتى دنت من شفتيها آهة صغيرة مكتومة ، وتخلصنا من ملابسنا كالمجانين

لنحتفى بلقاء دام انتظاره الكثير ....

وفي خارج المنزل ...

دوى صوت الاقامة لصلاة الفجر ....

وبداية صفحة جديدة ...

من صفحات الخيانة ...

خيانة زوجين ... ولقاء

عاشقين ...


************************


انتهى لقاؤنا ... بعد ساعة كاملة

أحسست بها بسعادة غامرة ، لم أشعر بها قط من قبل ... ومددت يدي أمسح العرق الذى يتصبب من جبيني وأنا ألقى بجسدى على الفراش جوار حبيبتى وأنا ألهث في قوة.


وأغمضت عيني في استمتاع حتى شعرت بجسد إسراء وهي تضع رأسها على صدرى وتداعب بطنى بأناملها، وشعرت بهمسها الجميل ... ولكنى كنت أسقط في بئر عميق ... واكتنف اللون الأسود كل شئ ...

ومضى الوقت دون أن أشعر بشيء

حتى أفقت على هزات خفيفة من يد إسراء، وفتحت عيني في كسل وأنا أتثاءب

ثم ابتسمت وأنا أشاهد ابتسامتها الجميلة وهي تقول

- ألن تستيقظ لتذهب إلى عملك ... أم أنك لا ترغب في الذهاب؟

مددت إليها يدي وقربتها إلي لأطبع قبلة على شفتيها ثم سألتها في خمول

- كم الساعة الآن؟

أجابتنى في دلال

- الواحدة ظهرا
حدقت في وجهها في رعب واضح ثم قفزت اختطف ملابسى في سرعة وقد تذكرت موعد الاجتماع الشهرى في تمام الساعة الواحدة والنصف ولوحت بيدي مودعا في سرعة وأنا أفتح باب الشقة لأقفز درجات السلم في سرعة

وأستقل سيارتى وأنطلق بها مسرعا ... بين شوارع المدينة المزدحمة


تاركا إسراء .... في حجرتى

لتبدأ حملة التنظيف داخل الحجرة

وتبدأ بذلك الصندوق ...

الذى يحوى جميع ذكرياتى


*************************

أوقفت سيارتى في مكانها المخصص أمام تلك البناية الخاصة بالشركة التى أعمل بها

وقفزت من السيارة وأنا ألتقط حقيبتى من المقعد الخلفى وأنا أتحرك بنشاط ملحوظ ... وغريب

واقتحمت غرفة الاجتماعات بابتسامة عريضة قائلا

- أعتذر عن التأخير

نظر مدير العلاقات العامة للشركة إلى الساعة وقال لي

- مازال هناك دقيقتان على ميعاد الاجتماع يا مدحت

كست الدهشة الحقيقية ملامحى وأنا ألقى نظرة خاطفة على الساعة الكبيرة المعلقة على جدار غرفة الاجتماعات وبالفعل ... وجدت أننى وصلت مبكرا عن موعدى ... وللمرة الأولى

فاتخذت مقعدى ... والفكرة لا تفارق رأسي، هل هذا التغير بسببها هي ...

بسبب إسراء ...

أم بسبب الخيانة ...

12‏/06‏/2009

الفصـل الــرابع





توقفت لدقائق في الردهة وانا اتأملها في صمت

ثم اسرعت الي غرفتى لاخرج منها احدى ملابسي القديمة وانا اتأملها ضاحكا ، ثم انتقيت جلبابا فضفاضا ... وخرجت من الغرفة الى حمام المنزل العتيق ، ومددت يدي لأوقد النور ... وأدخل سريعا تحت رذاذ الماء الفاتر وانا ادندن بأحدى الاغانى التى اعشقها للمطرب الراحل ( عبد الوهاب )

وشعرت مع الوقت كأنى ازيل كل الشظايا من حياتى وانا اقف تحت الماء ، حتى فرغت تماما وانا امسك بالروب الابيض القطنى وارتديته واتأمل جسدى في المرآة ضاحكا في استنكار

فقد بدا قصيرا وصغيرا على شكل مضحك وخرجت الى غرفتى لأرتدى ملابسي في سرعة

وانظر الى المرآة متأملا وجهى وشعرى المبلل

ولسبب ما ، بدأت اتأمل الشعيرات البيضاء التى بدت مبعثرة على فودي طويلا ... وبدأت تصفيف شعرى في عناية

واستدرت الى مكتبتى الضئيلة بعد ان فرغت معظم محتوياتها التى قمت بنقلها الى منزلى

والتقطت احد قصص الخيال العلمى المحببة الى نفسي ، وجلست اقرأها في حماس غريب

حتى دق جرس الباب

فاعتدلت في حدة ، وانا انظر الى القصة والى الباب في حيرة ، ثم القيت بالرواية على الفراش لأنهض متجها الى باب الشقة فتعثرت باحدى الكراسي بشكل غريب وسقط على الأرض متعثرا في ضجيج عالى .

وتوقف جرس الباب للحظة ، وسمعت طرقات اسراء على الباب وهي تصرخ

- مدحت ، هل انت بخير

اجبتها في صوت عالى وانا احاول النهوض من سقطتى

- اجل انا بخير ، لقد تعثرت في الكرسي اللعين

وترنحت من فرط الالم وانا اذهب الى الباب لأفتحه واشاهد وجه اسراء يظهر من خلف الباب وهي تهتف في قلق

- هل انت بخير

اشرت الى الكرسي في غيظ وانا اتمتم بكلمات لم افهمها

فابتسمت في حنان وهي تضع يدي على كتفها وتسير بي نحو اقرب كرسي صادفها لتجلسنى في رفق وانا اتأملها ، وجلست الى جوارى

وشعرت بعطرها يلفحنى في حرارة وهي تقول في خفوت

- هل تريد الذهاب الى الطبيب

ضحكت وانا اشير لها ان الامر لا يستدعى حضور الطبيب

مدت يدها تتحسس خذى وهي تهمس

- هل احضر الطعام الي هنا

نظرت اليها طويلا وانا اتأمل عينيها السوداوتين في حب واضح ثم اجبتها في صوت غير مسموع

- المكان هنا غير مناسب

اومأت برأسها ونهضت وهي تمد يدها الي ، ولكنى اعترضت في حرج وقد أبت رجولتى ان استند عليها للذهاب الى شقتها ، ونهضت وانا اخفى الألم واشاهدها تتأملنى في دقة ثم اجابت في بساطة

- هيا بنا اذن .

ودخلت الى شقتها في سرعة واغلق انا باب شقتى ودخلت الى الشقة وانا اغلق الباب في توتر لأجلس على مائدة الطعام في نهاية الردهة لأتأمل جميع الاصناف وانا اتسائل كيف استطاعت ان تحضرها في هذا الوقت القصير ، حتى سمعت صوت اقدامها وهي تضع طبق الحساء المفضل لدي ... وتجلس الى جوارى

فتململت في مقعدى وانا اتسائل

- ألن تشاركنا شقيقتك الطعام

هزت رأسها نافية وهي تجيب

- لقد غادرت مسرعة للحاق باصدقائها ، لتسليم احد ابحاثها اليوم

تسائلت مجددا

- وابنتك

نظرت اليّ اسراء للحظات ثم اطلقت ضحكة طويلة

- انها نائمة يا مدحت

ابتسمت في حرج وكأني طالب بليد وبدأت في تناول الطعام ، وكانت اسراء تصر اثناء تناولى الطعام ان تطعمنى بيدها بين الفينة والفينة ... حتى انتهيت وهي تصر ان تطعمنى بيدها بقطعة من الدجاج المحمر ، فالتقطها بفمى وانا انهض بسرعة لأدخل الى الحمام واغسل يدي ... وذهنى يعمل في سرعة لأقرر ماذا سأفعل بعد قليل ... وقد بدأت اشعر بضرورة مغادرتى لهذا المنزل واغلقت الصنبور في عصبية وانا ابحث عن شئ لأنشف يداي

فخرجت بخطوات سريعة وانا اهم بمناداة اسراء ، وإذا بي أجدها تقف امامى مباشرة وهي تحمل منشفة بيضاء ... مزينة بوردة حمراء وهي تبتسم

تأملت المنشفة في صمت وانا اقترب منها لأتناولها وامسح يدي في بطء ...

فقد كانت تلك المنشفة ، من صنع يدها ، منذ ان كنا سويا ... منذ زمن بعيد

ثم زفرت في قوة وانا القى المنشفة على الكرسي المجاور لي وانا التفت الى اسراء وارفع ذراعى تجاهها قائلا

- اسراء ... لكم اشتقت اليك

ودون مقدمات ... التقطها بين ذراعى ... واحسست بدفئها وانا اتحسس شعرها الناعم

وانحنيت على شفتيها الرطبتين لأطبع قبلة طويلة ، حملت كل ما اخفيه من حب واشتياق ,,, ولوعة

لتعلو فجأة صوت شهقة مفزعة

وانتفقض جسدى ، وابتعدت اسراء عنى في عنف وانا التفت الى مصدر الصوت

لاجد شقيقتها الصغرى تقف امامنا جاحظة العينين

ليشتعل الموقف ...

وبشدة ...

*************************

تجمد الموقف لعدة دقائق وهند تنقل بصرها بيني وبين اختها الكبرى اسراء ، ثم تركتنا واندفعت مسرعة الى غرفتها وتساقطت بضعة الاوراق من حقيبتها

والتقت نظراتنا في صمت ، ثم همست في حزن منكسر

- اعتذر يا اسر ...

قاطعتنى في هدوء وهي تضع اناملها على شفتي قائلة

- لا تعتذر ، نحن لم نقم بشيئ يستحق الاعتذار

انعقد حاجباى وانا اتأملها في تأنِ ، ثم تحركت في خطوات مرتبكة الى المائدة لألتقط سلسلة مفاتيحي الخاصة مع هاتفى المحمول وانا اتجه الى باب المنزل

فهتفت بي قائلة :

- هل ستغادرنا الليلة

وقفت في مكانى قليلا ثم التفت اليها لأشاهد قسمات الحزن التى بدأت ترتسم على وجهها الجميل

ثم ابتسمت واجبتها بسرعة

- كلا ، لقد تركت المنزل أثر شجار نشب بيني وبين زوجتى

ابتسمت اسراء ... وابتسمت لابتسامتها ...

وغادرت المكان في سرعة ، ودخلت الى شقتى

وخلعت القميص والقيته في اهمال على الكرسي المقلوب أثر تعثرى به ، ودخلت الى حجرتى والقيت بجسدى على الفراش وانا احدق في السقف في صمت .... وذهول

فقد كان عقلى منهكا بعد رؤية هند وهي تشاهدنى وانا أقبل اختها الكبيرة ، وتذكرت كلمات اختها

اننا بالفعل لم نفعل شئ يستحق الاعتذار ، بعد كل هذه السنين ...

بعد كل هذا الفراق ، بسبب تعنت الآباء ، تركونا نتعثر في دروب الظلام ، بكل قسوتها وهم يظنون انهم يقوموا بدورهم لحمايتنا

والدى مارس سلطانه وقسوته علي ، وعلى زواجى ... ورحل تاركا اياي منغمسا في نجاحات وهمية لا اعرف لها طعما ولا رائحة

ووالد اسراء الذى رفضنى لضعف حالى عندما تقدمت اليها حينذاك وهو يصر انه لن يتركنى اتزوجها قبل ان اجهز شقة فاخرة بأسمها في احد احياء القاهرة الراقية ، فهو لم يتبقى له من العمر الكثير ، ويجب ان يطمئن على ابنته البكر ....

وافترقنا عن بعضنا ، وانجبنا الاطفال ...

ولكن لم انسى يوما ما همساتها ... وحضنها الدافئ

لم اضاجع زوجتى يوما دون ان اتذكرها ، وربما لم اشعر بالسعادة سوى عندما اتخيل اننى في احضان اسراء ... وليست زوجتى ، حتى اتغاضى عن ذلك التمثيل الردئ التى تقوم به زوجتى على الفراش

زفرت في ضيق شديد ... وفي دهشة تحسست الدمعة التى ذرفتها عيني اليسرى في صمت ، وتأملت اصابعى ثم مسحتها في اقمشة الوسادة وانا اغمض عيني ... واغط في نوم عميق ... لم اشعر به منذ سنوات

وبدأت الاحلام الوردية تزورنى ... حتى شعرت بالقلق على صوت اذان الفجر الذى شق سكون الليل ... ففتحت عيناى في كسل

وانا اتحسس جسد زوجتى وعدت اغمض عيناي

وفجأة

قفزت من الفراش وانا اضئ المصباح

لأقف وانا ارتعش في وسط الحجرة

فقد كانت اسراء راقدة على الفراش في قميص نومها

بجوارى ...

07‏/06‏/2009

الفصل الثــالث



سرت فترة طويلة من الصمت ، حتى انتبهت الى اننى مازلت احمل الطفلة التى تململت بين يدي فأعدتها على الارض لتكمل اللهو بالعابها وكأن شيئا لم يكن
وجلست على الكرسي بدورى وانا اتطلع اليها صامتا ... فتنحنحت هند في حرج وهي تتمتم :

- ماذا تحب ان تشرب يا استاذ مدحت ؟

اجبتها في خفوت :

- اشكرك يا هند ، ولكنى لا ارغب في شئ

هزت رأسها نافية في قوة وهي تجيبنى :

- وهل هذا معقول ؟! .. بعد كل هذه السنين وتأتى الى منزلنا دون ان تنتاول شيئا في منزلنا ... سأعد لك قدحا من القهوة التى تحبها

ودون ان تنتظر الرد ... انصرفت مسرعة باتجاه المطبخ ، ودون ان اسألها عن سبب علمها بحبي الى اقداح القهوة ... ونظرت الى سقف الحجرة

لأسبح في بحر الذكريات ، وارتسمت شبح ابتسامة على شفتى وانا انزل ببصرى لأنظر الى الاريكة ... واسترجع ذكريات الماضى البعيد

عندما كنت اجلس هناك .. بقميصى الابيض الناصع ، وانا اقلب في صفحات الكتاب الذى كنت اقوم بشرحه لاسراء بحجة صعوبة المواد التى اشتكت منها دائما ، وكانت هذه هي النقطة لنجلس بجانب بعضنا البعض ، ونلتصق ... وانا اشرح لها الامر في سرعة خاطفة ... لنتهامس .... ونتبادل عبارات الحب ...

اتذكر ذلك اليوم جيدا ... عندما كانت تريدنى ان اراجع معها المراجعة النهائية لليلة الامتحان ... وفوجئت بها تأتى بكوب من عصير المانجو الذى اعشقه .... وتلتصق بي في شدة ، حتى سرت قشعريرة في جسدى لاجدها تميل الي حتى كادت شفتاها ان تلمس شفتاى وهي تخبرنى :

- لقد انتهيت فعلا من المراجعة ، ولكنى اشتقت اليك كثيرا

تململت في جلستى معترضا ولكنها وضعت يدها على فمى وهي تهمس في صوت رخيم :

- اردت ان اجدك بجوارى في تلك الليلة ... الجميع في الخارج لحضور فرح ابنة خالي محمد

وما ان وضعت شفتيها على عنقى ، حتى انهلت عليها بدورى بالقبلات على شفتيها وعنقها وانا اتحسس نهديها في نشوة وحب ... وفي حركة عصبية ... فتحت ازرار القميص لاشاهد النهدين المشدودين من فرط النشوة ... و

- استاذ مدحت

انتفض جسدى وانا اخرج من ذكرياتى لألتفت الى مصدر الصوت

لاجد هند تقف امامى ممسكة بالصينية ... وتنظر اليّ في حيرة

تململت في جلستى في حرج بعد انتشلتنى عند تلك النقطة وامسكت بقدح القهوة لارشف منه رشفة صغيرة واضعها على المائدة الرخامية التى امامى :

- ماذا عن اخبارك يا هند ... اخبريني

ابتسمت هند وهي تقول :

- لا شئ ، اننى في العام الاخير من الجامعة ، ادرس في علم الاثار واكمل دراستى في مجال الكمبيوتر

نظرت اليها متأملا ملامحها قليلا ثم سألتها :

- وماذا عن حياتك العاطفية

اتسعت عينا هند للحظات وهي غير مستوعبة للسؤال ، وشعرت بالحرج الشديد يعتريها فاطلقت ضحكة صافية لتلطف الموقف قليلا وانا اغمزها بعيني قائلا :

- لا تقلقى ، لن اخبر احد بالأمر ....

ابتسمت هند في خبث وهي تقول

- بالطبع لن تقدر ، بعد قصة الحب الطويلة التى كانت بينكم

ارتفع حاجباى في دهشة ، فلم اكن اتوقع انها كانت تدرى بذلك التاريخ الحافل

وذلك الحب الذى كان مضربا للامثال بين مراهقين الحارة .

وشهدت جدران البناية قصة العشق التى انتهت برفض اباها المريض ( بمرض عضال في الكلية ) بانه لا يقدر ان يتركها دون ان يطمئن عليها قبل وفاته خصوصا بعد رحيل والدتها :

- استاذ مدحت ، الى اين ذهبت

قالت هند تلك العبارة وهي تطلق ضحكتها المجلجلة في الردهة وهي تغمز بيعينها هي الأخرى قائلة :

- يبدو انك سافرت الى البعيد

ابتسمت وانا التقط قدح القهوة ، وارتجف الفنجال في يدي وانا احاول ان اهدئ من اعصابي وارتفع صوت جرس الباب بطريقة خاصة .... طريقة اسراء

فنهضت هند من مقعدها وهي تبتسم في خبث مجددا لتخبرنى

- لقد وصل الحب القديم

واسرعت تفتح الباب ... وقلبي يخفق في عنف ...


****



فتحت هند الباب ولم اجرؤ على الالتفات لاشاهد اسراء بعد ان سمعت صوتها ، وتجمدت في مكانى وانا احاول السيطرة على جسدى الذى بدأ في الارتعاش ...

ولم تخبرها هند بانى موجود . وشاهدت رأسي البارزة من الكرسي كما تصورت وسمعت صوتها وهي تخبر اختها في عتاب

- هل يوجد لدينا ضيوف

واستدارت حول المقعد واطلقت شهقة قوية وهي تضع يدها على صدرها ...

وتأملتها في صمت ، وخفقات قلبي تعلو وتعلو ... حتى اننى تخليت انها تستمع اليها فعلا

جاءت هند وهي تبتسم في خبث ماكر وهي تقول لأختها الكبرى

- نسيت ان اعرفك ... استاذ مدحت ... هذه اسراء يا استاذ مدحت

ساد الصمت ايضا بعد عبارتها .. فتنحنحت في حرج وانا اسألها

- كيف حالك يا اسراء

ارتفع حاجبا اسراء في تأثر وهي تمد يدها لمصافحتى فوضعت قدح القهوة في سرعة وانا اقف لامد يدي في سرعة لاصافحها

وتلامست اناملنا ... وسرت قشعريرة لذيذة في جسدى لثوان ، وتركت هي يدها في يده برفق ... وطال صمتنا ونحن ننظر الى بعضنا البعض

حتى تنحنحت هند من جديد وهي تقول في حرج

- سأترككم بمفردكم ، لدى العديد من الامور لانجزها قبل ذهابي الى الجامعة .

واسرعت تختفى داخل احدى الحجرات وهي تحمل الطفلة ، وظللنا كما نحن ، لم نلتفت الي هند ... ولا الى الصياح التى اطلقته الصغيرة وهي تصيح معترضة على اختطافها من وسط العابها

جلست اسراء على المقعد المجاور لي ، وجلست اتأملها طويلا حتى تخصب وجهها بحمرة الخجل ، فاسرعت اتمتم آسفا

- اعتذر

هزت رأسها نافية وهي تشير الى لأتناول باقي الكوب ... فجلست والافكار تعصف بي ... وجلست احدق بها

حتى سألتنى اسراء في صوت ناعم وخافت

- كيف حالك يا مدحت

تنهدت وانا اجيبها

- في خير حال ... المهم ماهى اخبارك

ترقرقت الدموع في عينها وهي تجيب
- انا بخير

عاد الصمت يلف المكان من جديد ، حتى هزت اسراء رأسها في قوة وكأنها تنفض افكارها لتسألنى

- مالذى أتى بك الى هنا اليوم

ابتسمت وانا اجيبها

- لا ادرى ، كان الامر في البداية عبارة عن مشاجرة بيني وبين منـــ ....

وبترت عبارتى فجأة وكأننى ان الوقت لا يناسب ذكر اسم زوجتى

فابتسمت اسراء وهي تجيبني في مرارة ملحوظة

- اعرف انك متزوج يا مدحت ، واعرف انك لم تستطع الانجاب لفترة طويلة من الزمن حتى زرقك الله بطفلك ساري

رفعت حاجبي الايمن وانا اسألها بسرعة

- كيف عرفت كل هذا

اطرقت اسراء برأسها قليلا ثم اجابت

- بعد انتهاء اجراءات الطلاق بيني وبين زوجى السابق ، عدت الى هنا لأمكث مع شقيقتى هند ، وكنت دائما ما ترسل في طلب بعض اوراقك القديمة من منزلك ، ولكن يكن عم حسن البواب يعرف اين هي اغراضك ، فكنت اجمع له ما هو مطلوب منه ، وكان دائما ما يبلغنى بأخبارك دون ان اسأل ، وكنت سعيدة بمعرفة ما يدور حولك

ثم صمتت قليلا ، وبدأت اشعر برعشة جسدها ، فترددت قليلا

ثم مددت يدي لأرفع وجهها لاشاهد دمعة ساخنة تسيل على خدها الايمن .. فأنقبض فؤادى وتمنيت ان اضمها الى صدرى كما كنت افعل فيما مضى ...

ولكنها نهضت فجأة وهي تمسح دمعتها في سرعة لتسألنى

- هل ستتناول الغذاء معنا ، اننى سوف أعد اليوم طبقك المفضل

اعترضتها في سرعة :

- كلا يا اسراء ، لن اقد...

قاطعتنى في حزم

- هذا امر ، اذهب لتسترح في شتقك قليلا وسوف ادق عليك الجرس عندما انتهى من طهى الطعام

وأسرعت الى الطاولة المقابلة لباب الشقة لتلتقط تلك الاكياس من على الطاولة وهي تصيح في لهجة مرحة :

- امازلت هناك ، هيا اذهب واتركنى لعملى الآن

وتركتنى بمفردى في ردهة المنزل كالمسحور ، ثم التقطت جهاز المحمول الخاص بي وتحركت الى باب شقتى

وما ان اغلقت الباب ... بدأ احساس من نوع آخر يغمرنى

ويكتنفنى

من رأسي ... وحتى اخمص قدمى

احساس غامر بالفرحة ...

والغريزة ...

03‏/06‏/2009

الفصل الثـاني





سرت فترة طويلة من الصمت ، وانزلت الطفلة على الارض ، فعادت تكمل اللهو بالعابها وجلست على الكرسي وانا اتطلع اليها صامتا ... فتنحنحت هند في حرج وهي تتمتم

- ماذا تحب ان تشرب يا استاذ مدحت

اجبتها في وهن :

- اشكرك يا هند ، ولكنى لا ارغب في شئ

هزت رأسها نافية في قوة وهي تجيبنى :

- وهل هذا معقول ؟! .. بعد كل هذه السنين وتأتى الى منزلنا دون ان تنتاول شيئا في منزلنا ... سأعد لك قدحا من القهوة التى تحبها

ودون ان تنتظر الرد ... انصرفت مسرعة باتجاه المطبخ ، ودون ان اسألها عن سبب علمها بحبي الى اقداح القهوة ... ونظرت الى سقف الحجرة

لأسبح في بحر الذكريات ، وارتسمت شبح ابتسامة على شفتى وانا انزل ببصرى لأنظر الى الاريكة ... واسترجع ذكريات الماضى البعيد

عندما كنت اجلس هناك .. بقميصى الابيض الناصع ، وانا اقلب في صفحات الكتاب الذى كنت اقوم بشرحه لاسراء بحجة صعوبة المواد التى اشتكت منها دائما ، وكانت هذه هي النقطة لنجلس بجانب بعضنا البعض ، ونلتصق ... وانا اشرح لها الامر في سرعة خاطفة ... لنتهامس .... ونتبادل عبارات الحب ...

اتذكر ذلك اليوم جيدا ... عندما كانت تريدنى ان اراجع معها المراجعة النهائية لليلة الامتحان ... وفوجئت بها تأتى بكوب من عصير المانجو الذى اعشقه .... وتلتصق بي في شدة ، حتى سرت قشعريرة في جسدى لاجدها تميل الي بدرجة ان شفتاها كادت ان تلمس شفتاى وهي تخبرنى :

- لقد انتهيت فعلا من المراجعة ، ولكنى اشتقت اليك

تململت في جلستى معترضا ولكنها وضعت يدها على فمى وهي تهمس في صوت رخيم :

- اردت ان اجدك بجوارى في تلك الليلة ... الجميع في الخارج لحضور فرح ابنة خالي محمد

وما ان وضعت شفتيها على عنقى ، حتى انهلت عليها بالقبلات على شفتيها وعنقها وانا اتحسس نهديها في نشوة وحب ... وفي حركة عصبية ... فتحت ازرار القميص لاشاهد النهدين المشدودين من فرط النشوة ... و

- استاذ مدحت

انتفض جسدى وانا اخرج من ذكرياتى لألتفت الى مصدر الصوت

لاجد هند تقف امامى ممسكة بالصينية ... وتنظر اليّ في حيرة

تململت في جلستى في حرج بعد انتشلتنى عند تلك النقطة وامسكت بقدح القهوة لارشف منه رشفة صغيرة واضعها على المائدة الرخامية التى امامى :

- ماذا عن اخبارك يا هند ... اخبريني

ابتسمت هند وهي تقول :

- لا شئ ، اننى في العام الاخير من الجامعة ، ادرس في علم الاثار واكمل دراستى في مجال الكمبيوتر

نظرت اليها متأملا ملامحها قليلا ثم سألتها :

- وماذا عن حياتك العاطفية

اتسعت عينا هند للحظات وهي غير مستوعبة للسؤال ، وشعرت بالحرج الشديد يعتريها فاطلقت ضحكة صافية لتلطف الموقف قليلا وانا اغمزها بعيني قائلا :

- لا تقلقى ، لن اخبر احد بالأمر ....

ابتسمت هند في خبث وهي تقول

- بالطبع لن تقدر ، بعد قصة الحب الطويلة التى كانت بينكم

ارتفع حاجباى في دهشة ، فلم اكن اتوقع انها كانت تدرى بذلك التاريخ الحافل

وذلك الحب الذى كان مضربا للامثال بين مراهقين الحارة .

وشهدت جدران البناية قصة العشق التى انتهت برفض اباها المريض ( بمرض عضال في الكلية ) بانه لا يقدر ان يتركها دون ان يطمئن عليها قبل وفاته خصوصا بعد رحيل والدتها :

- استاذ مدحت ، الى اين ذهبت

قالت هند تلك العبارة وهي تطلق ضحكتها المجلجلة في الردهة وهي تغمز بيعينها هي الأخرى قائلة :

- يبدو انك سافرت الى البعيد

ابتسمت وانا التقط قدح القهوة ، وارتجف الفنجال في يدي وانا احاول ان اهدئ من اعصابي وارتفع صوت جرس الباب بطريقة خاصة .... طريقة اسراء

فنهضت هند من مقعدها وهي تبتسم في خبث مجددا لتخبرنى

- لقد وصل الحب القديم

واسرعت تفتح الباب ... وقلبي يخفق في عنف ...